الفصل والوصل
سعيد ســالم
لم أكن أعرف – إلى عهد قريب كم عدد البحيرات عندنا، وأين تقع على خريطة البلاد، كما لم أكن أعرف أن مياهها عذبة تنبع طبيعيا من الأرض وتصب فى البحر. أما أهم ما كنت – ومازلت – أجهله حقا فهو ذلك السر الإلهى السابح فى المنطقة التى تصل – وتفصل فى الوقت ذاته – ما بين البحر والبحيره، أو كما يقولون : ما بين المالح والحلو.
من هنا انتابتنى رغبة جارفة فى التعرف على هذه المعلومة الجغرافية الطبيعية، بدأت بالقراءة وانتهت بذهابى إلى أقرب بحيرة لمدينتى وهى بحيرة "إدكو".
عند المنطقة التى يمتزج فيها النهر بالبحر والتى يسميها الصيادون بـ "البوغاز" التقيت بصياد عجوز قرأت فى معالم وجهه الاستعداد الواضح لتحمل الحديث معى، بينما كان يطرح شبكته فى الماء ممسكاً ببدايتها وقد تجسدت على تضاريس وجهه وخطوطه الغليظة المتشابكة كل معانى الرضا والصبر بعد طول جدل مع متناقضات الحياة.
لم أبذل جهداً يذكر فى اقتحام عالمه البسيط الهادئ، ففى غضون دقائق قليلة كنا نتحدث كما يتحدث الأصدقاء. قال والسيجارة مدلاة من فمه وقد بلل رذاذ الموج جزءا كبيرا منها:
- فى هذه المنطقة يعيش سمك الحلو مع سمك المالح.
تناثرت حبات المياه على وجهينا بعد ارتطام موجة بالصخرة التى نجلس عليها، وشردت قليلاً حين تذكرت ما كنا ندرسه فى علم المعادن عن الطبقة الفاصلة بين المعدن وطلائه والواصلة بينهما أيضا والمسماة بالإنجليزية The Transition Layer.
لم أعاود انتباهى إليه إلا حين سمعته يقول فى وقار شديد:
- مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان. صدق الله العظيم
فقلت بانبهار تلقائى شديد:
- سبحان الله.
تجسدت العلاقة بين الماء والشمس والهواء والشبكة والسمك والرزق والحظ والحياة والموت جميعا على الكرمشات الجميلة تحت عينيه بتجاعيدها المتداخلة فى شكل هندسى بديع.
عاودنى الشرود حين انتقلت من عالم البحار إلى عالم المعادن إلى عالم الوجوه البشرية التى تفنن الخالق فى إبداعها على أكمل وجه، ولأول مرة أنتبه إلى مغزى نظراتها التى اتضح لى الآن فقط – وأنا أنظر إلى وجه الصياد العجوز – أنها لا تختلف فى جوهرها عن طبيعة المسافة الواصلة بين العذب والمالح، أو بين المعدن وطلائه الزجاجى.. تلك الطبقة التى تشتمل عناصرها المكونة لها على نسب لابد أن تتوازن فيها بين خواص المعدن وخواص الطلاء كيمائيا وطبيعيا وإلا تشقق الطلاء وانفصل عن المعدن وتركه عاريا معرضا للتأكسد والصدأ والتآكل.
لو لم ألتق بهذا الوجه النحاسى المريح، لما تبين لى كم أنا غرير ساذج يسيل لعابه وتنفتح مغاليق قلبه على مصاريعها حين تمن عليه محبوبته بنظرة هى الوعد والوعيد، مثلما هى المعدن والطلاء. الحلو والمالح.. الحلم والواقع!
وبحماس يقول لى الصياد:
- كم من أساتذة جاءوا وحللوا المياه هنا فعادوا مبهورين بالسر الإلهى.
- كيف؟
- المسافة لا تتجاوز أم






















